عشرون يوماً

 

تفجيرين لمقرات عسكرية مهمة كان كل مايلزم لدخول مدينتي التي أعشق في عشرين يوم من الخوف والموت والقصف والجوع والحرمان ، ولتدخل المدينة في ظلام مستمر يقطعه ضوء القذائف قبل انفجارها ووميض الصورايخ حين مرورها.

تفجيرين هزا منزلنا ودمرا نوافذنا ليبدأ بعدها هزمشاعرنا وضمائرنا ، وتدمير مدينتنا.

لم أكن أعلم وأنا خارجة من منزلي بسرعة أني لن أعود إليه كل هذه الأيام وأني ذاهبة إلى ملجأ ، فقد خرجت وأنا أكلم نفسي وأطمئنها أنه يوم واحد كالعادة وسأعود ليلاً.

عشرين يوماً ونحن ننتظر الموت نعد القذائف نسمع الاصوات ...  الكثير من الكلام والأخبار والشائعات والتكذيب والتبرير .. بين تقدم وتحرر واستيلاء وسيطرة ... بين استشهاد وقتل وموت.... بين أطفال تبكي وأخرى تضحك لكي لاتبكي ... بين نسوة تصرخ وأخرى تذكر اسم الله تستنجد به لتاتي الثالثة وتذكره وهي تلعنه لما يحدث ... بين رجال تتخبط من الخوف فهي لاتملك حيلة وعاجزة تمام العجز عن عمل شي امام صوت السلاح هي مقهورة وماأصعب قهر الرجال.

بين مشاعري المتناقضة والمتصارعة ... النشوة عند سماع أخبار المزيد من الانتصارات واستمرار المرابطة وخنق النظام في شريانه الأساسي ... الكره لأقرب الناس الي فقط لأنهن يشمتون بالموت ويهللون ويفرحون لمايحصل بغيرهم... الحزن مع كل خبر موت لشباب أعرفهم تماما فهم ابناء مدينتي ورفاق مدرستي وعشاق صديقاتي ، صبية صغار ترى في ملامحهم قليل من الشعر يدل على شبابهم وبراءة من عيونهم تدل على طفولتهم ... أما الغريب من خارج مدينتي ومن خارج سوريتي فهم من كانوا السبب في تشويه الحلم وضياع الأمل.

ماهو أول شئ ستفعلينه اذا خرجنا من هنا ؟؟؟ هو السؤال الذي قالته ابنة السبع سنوات لتقطع به صمتنا قبل النوم .... ولأهرب من الاجابة لأني لم أكن املكها قلت لها أنت ماذا ستفعلين ... ليكن جوابا يختصر كل شئ : سأوزع خبز على الفقراء واذهب إلى المدرسة وأمشي في الشارع .... بعد يوم طويل كان الحديث الابرز فيه كيف سنقوم بتأمين الطحين لعمل الخبز ... بعد أيام من الحبس في قبو مظلم بارد رطب ... كان جوابها نابع من فقدانها ... كانت دائماً تردد الحرية ان أذهب إلى المدرسة ليست الحرية أن أجلس في القبر

لتعاود سؤالها مرة أخرى ... ولأجيب سأذهب للمقبرة ... فقد اشتقت له كثيرا .. قبر أبي الذي اعتدت المرور به كل يومين لأسقيه بالماء ولأحادثه قليلا هو أول ماسأقوم به . هل لأنني احتاجه كثيرا أم لأطمئنه وأخبره أني لازلت حية أو لاحدثه عن مالم لاستطيع التحدث به لأشخاص تتكلم أريد التحدث فقط لاأريد النقاش ... ولكنه الاحتياج إلى حضن رجل كم دعيت لربي أن يبقى معي دائماً وكم كسر ظهري أن أصبح يتيمة بلا أب .

دموع أمي هي كل ماكان يجعلني أتجمد وأقف عاجزة عن فعل أي شئ حتى دقات قلبي لا أعود أسمعها أمام صوت بكاء أمي ... ذات صباح أخبرتها عن استشهاد صديق لي ... بكت حضنتني وقالت الله ينتقم منهم ربيناكن بسهر الليل وبطلوع العين كرمال يجو يقتلوكن ... كم من الأمهات بكت وفقدت وحزنت ودعت ، كم من الأمهات انتظرت ليطل ولدها واقفا على قدميه وعاد محملا غارقا في دمه

ولكن ليس الموت وحده مايبكي ... ان يطلب منك رجل مسن قليل من الماء وتقف عاجز بعد أن قاموا بضرب ابار المياه وسيارات نقلها حتى لانجد الماء... أن ترى امك تركد مسرعة لتهرب من قذيفة تقع وتتأذى وتخاف .. وهي التي كانت واقفة دوماً تحمي بيتها وتربي أطفالها.. فكم من جرائم حصلت دون دماء وكم من ذل وقهر اجتاحنا وسكن فينا عند كل موقف

كان صوته مصدر أماني فهو من قال لي دائماً أنه سندي ... ليقول لي ذات مكالمة بعد أن كان كل ماسمعه مني صوت بكائي يارب دموعك جمر على كل واحد كان سبب في الي عم يصير بالنبك.

                                                                                                                          ...... يتبع

أميرة زياد مالك